التطرف في كل شيء.. حين يتحول الاعتدال إلى شي غريب
التطرف في كل شيء.. حين يتحول الاعتدال إلى شي غريب
هل لاحظت يومًا أننا أصبحنا نعيش في زمن لم يعد التطرف فيه مقتصرًا على
الفكر الديني أو السياسة فقط، بل امتد إلى كل شيء تقريبًا؟
أصبحنا نرى التطرف في الرأي، وفي الحب، وفي الكراهية، وفي التشجيع
الرياضي، وفي وسائل التواصل الاجتماعي، بل وحتى في الأحكام التي نصدرها على الناس.
فمن يخالفنا الرأي قد يتحول، في نظر البعض، إلى عدو، ومن يختلف معنا في وجهة نظر
بسيطة يصبح متهمًا في نواياه وأخلاقه، وكأن الاعتدال أصبح غريبًا بين الناس.
لقد خلق الله الكون قائمًا على التوازن، وجعل الوسطية قانونًا يحكم
الحياة كلها، فقال سبحانه: ﴿وَكَذَٰلِكَ
جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾. فالوسطية
ليست ضعفًا، وليست تنازلًا عن المبادئ، وإنما هي حكمة وعدل واتزان، وهي الطريق
الذي يحفظ الإنسان من الإفراط والتفريط.
وللأسف، فإن كثيرًا من الناس يظنون أن القوة تعني التشدد، وأن الثبات
على المبدأ يعني رفض كل رأي مخالف، وأن الحماس لا يكتمل إلا بالمبالغة. ومع مرور
الوقت، يتحول الاختلاف الطبيعي إلى خصومة، ثم إلى انقسام، ثم إلى كراهية لا يستفيد
منها أحد.
والتطرف لا يظهر في الدين فقط، بل قد يكون في الأخلاق أيضًا. فمن الناس
من يتساهل حتى تضيع القيم، ومنهم من يتشدد حتى يجعل الحياة مستحيلة. والحق دائمًا
بين الطرفين؛ فلا انحلال يحفظ المجتمع، ولا غلو يبني الإنسان.
وفي الأسرة قد نجد أبًا يبالغ في القسوة حتى يخسر أبناءه، وآخر يبالغ
في التدليل حتى يفسدهم. وفي التربية قد يتحول الحرص إلى سيطرة، وقد تتحول الحرية
إلى إهمال. وفي العمل قد يتحول حب النجاح إلى صراع، أو تتحول المنافسة الشريفة إلى
إقصاء وتحزب، فتضيع روح الفريق، وتهاجر الكفاءات.
أما في عالم التواصل الاجتماعي، فقد أصبح التطرف أكثر وضوحًا. فمنشور
واحد قد يجعل صاحبه، في نظر البعض، ملاكًا لا يخطئ، أو شيطانًا لا يستحق الاحترام.
واختفت كثير من مساحات الحوار الهادئ، وحل محلها الاستعجال في إصدار الأحكام، وكأن
الناس نسيت أن الحقيقة قد تكون أوسع من وجهة نظر واحدة.
والأخطر من ذلك أن التطرف الفكري يبدأ غالبًا بكلمة، ثم يتحول إلى
فكرة، ثم إلى قناعة، ثم إلى سلوك، وربما ينتهي إلى عنف، أو قطيعة، أو ظلم. لذلك
جاءت الشريعة الإسلامية لتحاصر الغلو منذ بدايته، فقال النبي ﷺ: «إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من
كان قبلكم الغلو.» وقال
أيضًا: «هلك المتنطعون.» أي: المتشددون والمتعمقون بغير حكمة.
إن المجتمعات لا تنهض بالمتطرفين، وإنما ينهض بها العقلاء الذين يجمعون
بين الثبات على المبادئ والانفتاح على الحوار، وبين قوة الشخصية واحترام الآخرين.
فالاختلاف سنة من سنن الله في خلقه، وليس المطلوب أن نفكر جميعًا بالطريقة نفسها،
وإنما أن نتعلم كيف نختلف دون أن نتخاصم.
واليوم، ونحن نعيش عالمًا يموج بالأزمات والصراعات، أصبحت الوسطية
ضرورة حضارية، وليست مجرد فضيلة أخلاقية. فالأمم التي تنجح هي التي توازن بين
الأصالة والتجديد، وبين الحرية والمسؤولية، وبين الحقوق والواجبات، وبين القوة
والرحمة.
ولعل أخطر ما يواجه الإنسان في هذا العصر هو أن يعتاد التطرف حتى يظنه
الطريق الطبيعي، بينما يصبح الاعتدال، في نظره، ضعفًا أو ترددًا. والحقيقة أن
الاعتدال يحتاج إلى عقل راجح، ونفس مطمئنة، وإيمان بأن الحق لا يحتكره أحد، وأن
الحكمة قد نجدها عند من يخالفنا.
إننا في حاجة إلى أن نعيد الاعتبار لقيمة الوسطية في بيوتنا، ومدارسنا،
وإعلامنا، وخطابنا الثقافي والديني، وأن نربي أبناءنا على الحوار قبل الخصومة،
وعلى التفكير قبل الاتهام، وعلى احترام الإنسان قبل الحكم عليه.
فالوسطية ليست منطقةً رمادية بين الحق والباطل، وإنما هي طريق العدل
الذي يحفظ الدين، ويبني الإنسان، ويحمي المجتمع، ويصنع الأوطان.
وربما كان أخطر ما نحتاج إليه اليوم ليس أن ننتصر في كل جدال، بل أن
ننتصر على تطرفنا، وأن نتذكر دائمًا أن خير الأمور أوسطها، وأن الاعتدال لم يكن
يومًا علامة ضعف، بل كان، وما يزال، عنوان الحكمة، وقوة العقل، ورقي الحضارات.
بقلم: أحمد مختار-2-7-2026

تعليقات
إرسال تعليق
مرحبا بكم