المصريين شعب الله المختار
المصريين شعب الله المختار
✍️ أحمد مختار – 05-08-2025
📍 القاهرة
مصر… ليست أرضًا كبقية الأرضين، وليست شعبًا كسائر الشعوب. إنها صفحة ممتدة من كتاب الله المفتوح على مرّ العصور، موضع البركة والوصية النبوية، وحصن الأمة حين تتداعى عليها الخطوب. هنا التقت السماء بالأرض، وتناوب على ضفاف نيلها الأنبياء، وعبرت إليها قوافل الدعوة والهداية، فحملت من نورها للعالم ما لم تحمله أرض أخرى.
في هذه الأرض عاش إدريس عليه السلام، النبي الذي عُرف بالحكمة والمعرفة، والذي رفعه الله مكانًا عليًّا. وفيها جاء يوسف عليه السلام غريبًا مظلومًا، فجعله الله على خزائن الأرض، لينقذ المنطقة كلها من المجاعة، ولتكون مصر مرة أخرى سبب الحياة حين يموت الرجاء في غيرها. عبر إليها موسى عليه السلام من قصر الطغيان إلى وادي الطور، وهناك كلمه الله تكليمًا. وسار فيها هارون يدعو إلى الله، ودخلها المسيح عيسى عليه السلام مع أمه البتول فرارًا من بطش الطغاة، فآوتهما الأرض واحتضنهما الشعب، كما لو كانت مصر هي "الرحم الثانية" التي تحتضن الأرواح الطاهرة حتى تنجو من الفناء.
هذه الحوادث ليست صورًا متفرقة من الماضي، بل هي خيوط متصلة في نسيج واحد، تؤكد أن مصر كانت وما زالت "الملاذ الآمن" الذي يقصده المظلوم، و"الحصن الحامي" الذي يكسر موجات الشر القادمة من كل اتجاه.
المصريون، منذ أقدم العصور، حملوا في قلوبهم بذرة التوحيد. قبل أن يعرف العالم المعنى الكامل لكلمة "لا إله إلا الله"، كان فيهم الصابئة الذين ذكرهم القرآن، وأهل المعرفة بالنجوم الذين رصدوا مسارات السماء لا لعبادة الكواكب، بل لفهم قوانين الكون الذي خلقه الله. هم الذين بحثوا عن أنبياء آل يعقوب، وهم من أسسوا حكمًا عادلًا في عصر الأسرة الثامنة عشرة، تلك الدولة التي مثلت ذروة القوة والنقاء قبل أن تتسلل إليها الفتن.
وعندما ابتليت مصر بالهكسوس، كان ذلك امتحانًا قصير المدى. حتى جاء السادس من ملوكهم، فكان زمنه بداية النهاية لطغيانهم، ودمر الله ما كانوا يعرشون، وبقيت آثار أهل مصر الموحدين شاخصة في المعابد والبرديات، تقول للأجيال: نحن شعب الله المختار في حفظ الرسالة، ولسنا نحن من عبد الأوثان كما يزعم من جهل التاريخ.
هذه الروح المصرية تتجلى حتى اليوم. ففي الحروب الحديثة، كانت مصر هي الجدار الذي تحطمت عليه موجات الغزو. في 1973، كما في معارك دمياط والمنصورة ضد الصليبيين، كان المصريون يثبتون أنهم حين يضعون أقدامهم على الأرض، تصبح الأرض عصيّة على الاختراق. وفي زمن الأزمات الاقتصادية، تراهم يتكيفون مع القلة، ويحوّلون الجفاف إلى خصب، كما فعل أجدادهم حين أدار يوسف خزائن الأرض في سنوات القحط.
الطبع المصري مزيج نادر من الرحمة والبأس. في قلبه صفات الرحمن، وفي يده صلابة المقاتل. هو شعب الفكاهة الذي يزرع الضحك في قلب المأساة، ويجعل من الشدة طرفة يتناقلها الجميع. وهم اليوم، كما كانوا في الأمس، يرحبون بالغريب، يفتحون له بيوتهم، ويأوونه كما آووا يوسف، وكما آووا المسيح وأمه، وكما آووا آل بيت رسول الله ﷺ عندما هربوا من ظلم ذوي القربى.
ومن يزور مقام السيدة زينب رضي الله عنها في قلب القاهرة، يشعر أن المكان ليس مجرد مزار، بل شهادة حيّة على وفاء المصريين لأهل بيت النبوة. وكما احتضنت مصر آل البيت بالأمس، فهي اليوم تحتضن ملايين اللاجئين من الدول العربية والإفريقية، بلا تفرقة في الدين أو العرق، لتؤكد أن طبيعتها الأصيلة لم تتبدل.
تاريخ مصر هو تاريخ المرابطة. من طرد الهكسوس، إلى رد الغزو الفارسي، إلى هزيمة الرومان، إلى إيقاف التتار، إلى دحر الاحتلال الصهيوني في سيناء، الخط واحد والهوية ثابتة: مصر لا تُكسر، والمصريون لا يبيعون أرضهم ولا دينهم.
وإذا كان نبي الله ﷺ قد أوصى بوصيته الخالدة: "إذا فتحتم مصر فاستوصوا بأهلها خيرًا، فإن لهم ذمة ورحمًا"، فإن هذه الوصية ما زالت سارية المفعول في قلوب الأمة كلها، حتى وإن حاول البعض نسيانها. لأن المصريين لم يتوقفوا عن حمل الأمانة، ولم يتراجعوا عن دورهم كحُماة للرسالة ودرع للأمة.
اليوم، في عالم يموج بالفتن، تبقى مصر الرقم الصعب، ويبقى شعبها هو المكوّن الذي إذا حضر استقرت المعادلة، وإذا غاب اختلّ التوازن. هم شعب الله المختار بالعمل والصبر والتضحية، لا بالشعار والادعاء. ولأنهم كذلك، فإن قدرهم أن يظلوا في قلب الأحداث، يواجهون، ويصبرون، ويضحكون، ويحافظون على عهد الله ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا.
#مصر #المصريين_شعب_الله_المختار #أرض_الكنانة #أرض_التجلي #أرض_الأنبياء #يوسف_عليه_السلام #السيدة_زينب #سيناء #بيت_المقدس #تاريخ_مصر
📚 المصادر:
-
القرآن الكريم – تفسير الطبري، تفسير القرطبي، تفسير ابن كثير
-
كتب السيرة النبوية: ابن هشام، الروض الأنف، دلائل النبوة للبيهقي
-
"مصر في القرآن والسنة" – د. عبد الحليم عويس
-
"تاريخ مصر القديم" – سليم حسن
-
"المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار" – تقي الدين المقريزي
-
البرديات المصرية ودراسات المجلس الأعلى للآثار
-
الروايات المسيحية الموثقة عن رحلة العائلة المقدسة
-
الدراسات الحديثة حول الأسرة الثامنة عشرة المصرية في المتحف المصري
-
كتب التاريخ الإسلامي عن آل بيت النبوة ومقاماتهم في مصر
📢 لا تنسَ التعليق والإعجاب والمشاركة… 🌸 وصلِّ على النبي ﷺ
https://al-muthaqqaf-2024.blogspot.com/2025/08/blog-post.html
تعليقات
إرسال تعليق
مرحبا بكم