انت اتغيرت ليه؟!



انت اتغيرت ليه؟!

✍️ أحمد مختار – 9-7-2025
📍القاهرة

والله أسباب كثيرة، لكن لا أنسى مشهدين عالقين في القلب والعقل…

الأول كان لمهندس سوري زميل لي في شركة بدولة عربية قبل أكثر من عشر سنوات، تحديدًا في 2014. حينها، قررت الشركة تصفية الموظفين ولم يتبقَ إلا عددٌ قليل، كان هو منهم. تراكمت مستحقاته حتى أصبحت الشركة تصرف له نصف راتب كل أربعة أشهر تقريبًا! وبعد سنوات، أصبحت له مستحقات تتجاوز السنة ونصف من المرتبات… وعليه ديون بنفس القيمة تقريبًا، لأن عائلته معه: إيجارات، إقامة، مدارس، حياة كاملة.
ولا يستطيع أن يشتكي لمكتب العمل، ولا يقدر أن يعود إلى سوريا، فبلدته كانت تحت سيطرة تنظيم داعش، والنار تأكل الأخضر واليابس.
مرت الأيام، وتشرد الرجل في بلاد المهجر، واستقر لاحقًا – حسب ما أعلم – في ألمانيا. وانقطعت أخباره عني.

أما الثاني، فمهندس يمني من صنعاء. تكررت القصة لكن مع شركة مختلفة. وبدأ الزملاء – أغلبهم مصريون – بتقديم شكاوى لمكتب العمل بسبب تأخر الرواتب لسنة كاملة.
سألته لماذا لا تشتكي مثلهم؟
ردّ عليّ قائلاً:
"أنا على كفالة الشركة… وبلدي مدمَّر، والطيران يقصف… أخرجت أبي وأمي نازحين لمنطقة ساحلية. لو اشتكيت، الشركة تعمل لي خروج نهائي… وأخسر كل شيء. أنا أصرف على أسرتي الكبيرة أنا وأخي… حتى زواجي تأجل، ومش قادر أرجع اليمن من 2011."

مشهدان لا يُنسيان… وجوه أنهكها التشرد، وحقوق ضائعة، وبلدان تُسلب من أهلها، وأحلام تحطمت تحت أنقاض الحروب والتدخلات والميليشيات.

كل هذا كان قبل مارس 2016… وقتها كنت أراجع نفسي، أفكاري، مواقفي. أدركت أننا لا نستطيع تحمُّل كلفة الفوضى ولا ثمنها.

وإذا عدتُ إلى الوراء أكثر، فبداية التحوُّل الحقيقية كانت حين درست مادة الجغرافيا السياسية على يد العالم الجليل أ.د. علي هارون، أستاذ الجغرافيا السياسية بجامعة سوهاج، في بداية عام 2003، بالتزامن مع الغزو الأمريكي للعراق في مارس من العام نفسه.
حينها، كنت في سنتي الأخيرة بقسم الجغرافيا، وكانت تلك المادة بمثابة نافذة جديدة على فهم الخرائط والصراعات وتحولات القوى، بعيدًا عن الانفعال، وقريبًا من عمق التحليل وميزان المصالح.

ومنذ ذلك الحين، قرأت بعمق في التجربة التركية، وتأملت في تحولات الدولة والمجتمع، واطلعت على كتب ووثائق ومصادر متعددة شكلت لديّ وعيًا مبكرًا بخطورة إسقاط الدولة الوطنية، وأهمية النهوض بها من الداخل:

  • تركيا المتغيرة تبحث عن ثوب جديد – هاينتس كرامر – طبعة أولى 2000

  • أردوغان – قصة حياة زعيم – عمر أوزكيزيلجيك وعلي أسان أوزكوك – طبعة أولى 2010

  • قصة أردوغان – راغب السرجاني – طبعة أولى 2011

إضافة إلى متابعتي للإعلام التركي الناطق بالعربية مثل قناة TRT عربي، ومواقع التحليل السياسي، والدراما التي روجت للهوية والنهضة.

ورأيت كيف بدأت تركيا منذ عام 2003 تبتعد عن الاستقطاب، وتجنبت الدخول في الحروب، وركزت على بناء الاقتصاد والبنية التحتية وجذب الاستثمارات، وتنحية الإيدلوجيا جانبًا لصالح الدولة

نفس هذا المسار – بشكل أو بآخر – تبنته مصر بعد منتصف 2013، وتحديدًا عقب ثورة 30 يونيو، فبدأت مرحلة إصلاح القوانين والتشريعات، ومشاريع قومية ضخمة، وجذب للاستثمار الخارجي، وترسيخ لفكرة الدولة المدنية المستقرة.

خلاصة كل هذه التجارب والدروس:

الوطن القومي أهم من كل شيء.
اللي بيته مهدود… يصلحه أولاً… وبعدين يساعد جاره.

ولما اقتربتُ من سن الأربعين، زاد العقل هدوءًا، وأصبح التفكير أكثر عمقًا… رأيت سوريا والعراق واليمن وليبيا والسودان تُدمَّر. فقررتُ أن أصطفّ في صف الوطن، لا مع الأشخاص، بل مع الدولة المصرية، مع شعبها وجيشها، دفاعًا عن التاريخ، لا الطموح الشخصي.

نحن زائلون… وهم زائلون…
لكن الوطن باقٍ.
وسنُسأل يومًا أمام الله… لا عن المناصب، بل عن الكلمة… عن النية… عن الدفاع عن أوطاننا بما نقدر عليه.
وأسأل الله أن يجعل كل كلمة نكتبها في ميزان حسناتنا… وأن يحفظ الله مصر… ويجعلها أمةً عظمى بين الأمم.

#الوطن_أولًا
#سوريا_العراق_اليمن
#مصر_خط_أحمر
#مهجرين_لا_لاجئين
#العقل_قبل_العاطفة
#لا_للفوضى
#الدولة_مش_أشخاص

📚 المصادر:

  • شهادات شخصية حقيقية من زملاء مهندسين (2014–2016)

  • أ.د. علي هارون – مادة الجغرافيا السياسية – جامعة سوهاج – 2003

  • هاينتس كرامر، تركيا المتغيرة تبحث عن ثوب جديد – طبعة أولى 2000

  • عمر أوزكيزيلجيك وعلي أسان أوزكوك، أردوغان – قصة حياة زعيم – طبعة أولى 2010

  • راغب السرجاني، قصة أردوغان – طبعة أولى 2011

  • BBC العربية – RT – TRT – الجزيرة

  • جريدة الشعب – جريدة الأسبوع – جريدة الدستور

  • مركز الأهرام للدراسات السياسية

  • القاهرة الإخبارية – النيل للأخبار

  • قناة TRT العربية – تقارير وتحليلات – (2003–2016)

📢 لا تنسَ التعليق والإعجاب والمشاركة… 🌸 وصلِّ على النبي ﷺ

🔗 رابط المقال على مدونة المثقف:
https://al-muthaqqaf-2024.blogspot.com/2025/07/blog-post_9.html

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل نحن فراعنة فعلًا؟ ... أم أحفاد المصريين القدماء؟

لا تحارب كل المعارك

هل حان الوقت لاعتماد سيارات 7 راكب داخل مدينة ملوي؟