رصيف الذكريات - قصة قصيرة.

 

رصيف الذكريات

قصة قصيرة - بقلم: أحمد مختار


الفصل الأول: سبورة البدايات

اتولد محمد في قرية نائية، على أطراف محافظة في الصعيد. بيتهم من طين، سقفه جريد نخيل، وعروق وألواح. لا فيه تلفزيون ولا حتى راديو، لكن فيه أم بتشتغل ليل نهار، تدعي لأولادها وتعلمهم معنى الكفاح. الأب، مصطفى، غائب حاضر، يعمل مغتربًا في السعودية والعراق وليبيا، يرسل النقود والخطابات، لكن حضنه بعيد.

محمد، الأخ الكبير، حمل عبء البيت من بدري، وساعد أمه في رعاية إخوته الستة. كان يسمعها كل يوم تقول: "العلم سلاح الفقير"، فصدقها ومشى في طريقه.

أول يوم مدرسة ما يتنساش. كتبت الأبلة فاطمة على السبورة: "1987". وقتها حس محمد إن الرقم مش مجرد تاريخ، ده مفتاح بوابة جديدة. الطباشير كانت بتترسم قدامه زي حلم أبيض نقي.

جدته كانت تدعيله: "ربنا يحبب فيك الحجر والبشر"، وأمه تسقيه دعواتها مع كل فجر: "يا رب ترجع راضي وفرحان".

كانت ريحة الطباشير، خبطات المقلمة على الدكة، نداء الطابور، زي نوتة موسيقية محفورة في الذاكرة.


الفصل الثاني: فصل المتفوقين

في تالتة ابتدائي، دخلت الأبلة نشوى، اللي بدّلت شكل الفصل. كانت صارمة لكنها محبوبة، علمت محمد وزمايله يحترموا نفسهم قبل العلم. أنشأت فصل للمتفوقين، وخدتهم رحلة تعليمية لمكان لأول مرة يشوفوه: مسابقة أوائل الطلبة وهما في الصف الرابع ..

مدرس العلوم، أستاذ جرجس، كان صعب المزاج، بس صرامته فتحت باب الاجتهاد. سأل محمد يومًا: "أبوك أستاذ؟"، قاله: "فلاح في الغربة، وأمي مش بتقرا ولا تكتب". رد جرجس: "دي شهادة مش وصمة".

في طريق العودة من المدرسة، محمد كان يمشي وحيد، بس دماغه مليانة أحلام، يشوف نفسه عالم، رحّالة، كاتب، حتى لو مفيش حد في البيت شاف كتاب.


الفصل الثالث: مكتبة بلا حدود

في الإعدادية، لقى محمد ملاذه في مكتبة المدرسة. سحب أول قصة: "رجل المستحيل" للدكتور نبيل فاروق، وبدأ يدمن الخيال. كان بيحلم إنه جاسوس وطني، بيحمي مصر من الخطر، ويعيش مغامرات خيالية.

اختير أمين فصل في أول فصل مشترك، بنات وأولاد، تجربة جديدة. كتب لغز على السبورة – بناءً على اقتراح صاحبه – قلب الدنيا، بنت بكت، والمدرس عاقبه عقاب شديد. لكن رجع بعدها أقوى واتعلم الدرس والقيادة..

كل كتاب كان له طعم، كان بيفتحه كأنه كنز، يقرأه على السلم، في الحوش، في البيت علي السطح مع بضع اعواد من القصب ..


الفصل الرابع: الزنزانة

في الاعدادي، دخل محمد عالم الأسئلة: الدين، السياسة، الوجود. احتك بجماعات كانت بتوزع كتب وفكر، وكان فضوله أكبر من قدرته على الفهم.

وفي يوم، في ثاني ثانوي اتقبض عليه فجأة، اتهموه بالانتماء، وهو لا فهم ولا شارك. 3 شهور في الحبس، و3 في إقامة جبرية. خرج منها بحكمة: الطريق لازم يكون اختياري وما تسلم دماغك لحد . والي مع الهف يتلف..

رجع، ذاكر، ونجح. تالتة ثانوي كانت امتحان للحياة، مش للمجموع. جاب 75%، لكنها كانت أول نصر حقيقي بعد نكسة.


الفصل الخامس: خرائط الروح

دخل كلية الآداب، قسم الجغرافيا في جامعة بعيدة في اقاصي الصعيد. حسب مجموعه واختيار مكتب التسيق بعيد عن بلده 3 ساعات. رسب سنتين، بوشاية من دكتور ظالم. رجع ذاكر وكافح ونجح بتفوق. وده كان النجاح الثاني بعد النكسة التانية. اشتغل في السياحة، وبعدها تركها. اشتغل في التجارة مع شركة توزيع شرائط، سافر بين القاهرة، طنطا، والمنصورة. اتعلم من الناس، من الشارع، من الطريق. ان الكلمة ابلغ رسالة. قبل المال ..


الفصل السادس: رمال الغربة

في 2009، حط الرحال في السعودية. اشتغل أي حاجة، وبعدين دخل عالم المساحة مجال دراسته. مهنة دقيقة، بتقيس الأرض وتفهم تضاريسها. لقَى نفسه فيها.

رجع مصر 2018، حاول يفتح مشروع أدوات صحية، فشل، لكنه اتعلم. رجع للمساحة واشتغل حر..

وفي 2020، راح الفرافرة. اشترى أرض، وبدأ مشروع زراعي. واجه التقشف، الشمس، قسوة الصحراء. لكن التحدي علمه الصبر. اشتغل في مجاله، كمهندس، مساحة وقضى أربع سنين كأنها عمر جديد..


الفصل السابع: ما بين المسطرة والمقال

في نهاية 2022، عاد للسعودية. بس المرة دي، محمد كان إنسان تاني. أسس مدونة، وبدأ يكتب في الصحافة، عن الغربة، الزراعة، الفساد، والحنين والوطن وعن الأفكار المتطرفة وعن السياسة والامل في الغد ..

الكتابة كانت خلاصه، طريقته لفهم نفسه والعالم. ما بين جهاز المساحة والكيبورد، بقى بيخط خطين متوازيين: خط يقيس الأرض، وخط يقيس الحياة.

الرواية ما خلصتش، لأنه لسه بيكتبها… صفحة صفحة، على أرصفة الذاكرة، اللي عمرها ما بتتمسح.

 https://al-muthaqqaf-2024.blogspot.com/2025/06/blog-post_15.html


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل نحن فراعنة فعلًا؟ ... أم أحفاد المصريين القدماء؟

لا تحارب كل المعارك

هل حان الوقت لاعتماد سيارات 7 راكب داخل مدينة ملوي؟